الراغب الأصفهاني

11

تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين

وعيابا فإن كل عيب تراءى له من غيره وجده في نفسه ومن رأى عيب نفسه فجدير أن يكون ممن دعا له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : رحم اللّه امرءا شغله عيبه عن عيوب غيره . ومعرفة عيب النفس صعب من حيث إن كل إنسان يحب نفسه وحبه لها يعميه عن معايبها كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : حبك الشيء يعمي ويصم ، والأعمى والأصم عن عيب الشيء قد يعجب به . ولا ضرر أعظم من إعجاب المرء بنفسه وقد قال بعض الحكماء : الكاذب في نهاية البعد عن الحق والمرائي أسوأ حالا من الكاذب لأن الكاذب يكذب بقوله فقط والمرائي يكذب بقوله وفعله . قال : وأسوأ حالا منهما المعجب بنفسه لأن الكاذب والمرائي قد ينتفع بهما والمعجب بنفسه لا نفع فيه بوجه ولأنهما قد ينفع وينجع وعظك فيهما لعلمهما بنفسهما . والمعجب بنفسه لجهله يظنك في وعظك إياه ملغيا والثامن : ان من عرف نفسه فقد عرف اللّه تعالى فقد روي أنه ما أنزل اللّه من كتاب إلا وفيه : اعرف نفسك يا إنسان تعرف ربك وهذا معنى قوله تعالى ( سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ) الآية ، وفي هذا الخبر ثلاث تأويلات : أحدها ان بمعرفة النفس يتوصل إلى معرفة اللّه عز وجل كقولك اعرف العربية تعرف الفقه أي بمعرفة العربية يتوصل إلى معرفة الفقه وإن كان بينهما وسائط . والثاني انه إذا حصّل معرفة النفس حصل بحصولها معرفة اللّه بلا فاصل كقولك بطلوع الشمس يحصل الضوء فيكون الضوء مقترنا بطلوعها غير متأخر عنها بزمان . والثالث ان معرفة اللّه تعالى ليست تثبت إلا أن تعرف النفس لأنك إذا عرفتها على الحقيقة فقد عرفت العالم فإذا عرفت العالم عرفت انه محدث وان لا بد له من محدث لا يشبه المحدث بوجه ، وذلك هو غاية معرفة اللّه تعالى .